علي بن حسن الخزرجي
1668
العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن
وولاه القاضي أبو بكر بن أحمد قضاء الجند ، فأقام قاضيا فيها خمسا وأربعين سنة لم يذكر عنه ما يذكر عن غيره من الحكام ، وإنما يذكر بالدين المتين ، والورع والعفاف والكفاف . وكان يحب العلم وأهله ، وكان حافظا لكتاب اللّه تعالى ، وينقل كتاب المهذب ، وهو أحد من يعد من الفقهاء من حفظة المهذب ، وكان كلما دخل الجند طالب علم أحبّه ، وأهّله ، واجتهد له في تحصيل سبب يقوم بحاله ، وكان إذا حضر مجلسا لم يكن لأحد معه قدر ، ولا تأخذه في اللّه لومة لائم ، يقول الحق ولو على نفسه . ولما أراد السلطان الملك المظفر الزواج بابنة الشيخ العفيف استدعى هذا القاضي ؛ فلم يعقد له حتى استكمل شرائط العقد ، ولم يتساهل في ذلك شيء ؛ فأعجب السلطان ذلك ؛ وقال : لو كان متساهلا في شيء من حكمه لتساهل معنا في مرادنا ، وكان عند السلطان معظما . وذكر يوما عند السلطان القضاة والمنكحون ، فقال السلطان : كل نكاح لا يكون بحضرة القاضي عيسى حاكم الجند لا يكاد يوثق بصحته ، أو كما قال . وكانت جامكيته من جزية اليهود في الجند ، وهي خمسة عشر دينارا ، وله أرض على قرب من مدينة الجند ، وأرض ببلده ؛ يأتيه منها ما يقوم بكفايته ، وكان الغالب على حاله المسكنة ، وكان كثيرا ما يدان ، وقل أن يدان من أهل الجند تورعا ، ليس كما يرى من حكام الوقت : يدخل الحاكم البلد فقيرا فيصير غنيا في أقرب مدة . وأقام القاضي عيسى في الجند قاضيا خمسا وأربعين سنة ، ومات مديونا عليه نحو من ستمائة دينار ، وعمر فوق مائة سنة ، لم يتغير له عقل ، ولا اختل له فهم ، يحضر المجالس الفقهية والمواكب الملكية ، يستضاء برأيه ، وينتفع بعلمه ، وكانت وفاته على الحال المرضي ليلة الأربعاء الحادي عشر من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين وستمائة ، وقبر تحت جبل صرب « 1 » . قال الجندي : زرت قبره مرارا ؛ لما ذكر لي من خيره وإلا فغالب الحكام تنفر النفس منهم أحياء ، فكيف أمواتا . ومفلت بضم الميم وفتح الفاء واللام المشددة وآخره تاء مثناة من فوقها . واللّه أعلم . قال
--> ( 1 ) جبل صرب : جنوب شرق مدينة الجند بمسافة قريبة . السلوك 2 / هامش 62 .